أدب الخطاب عند الأنبياء عليهم السلام
الأنبياء والرسل هم أكملُ الناس أدباً في الخطاب، وقد وصف الله تعالى نبيه
بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ . ويبيّن لنا القرآن الكريم أنّ أدب الرسول
صلى الله عليه وسلم في كلامه، كان سبباً في تجميع القلوب وتوحيد الصفوف.
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ
فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ .
"والفظّ: الغليظ، والمراد به هاهنا غليظ الكلام، لقوله بعد ذلك: ﴿غَلِيظَ
الْقَلْب﴾؛ أي لو كنتَ سيئَ الكلام قاسيَ القلب عليهم، لا نفضوا عنك
وتركوك، ولكنّ الله جمعهم عليك وألانَ جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم" .
فالآية الكريمة تشير إلى الرحمة التي ألقاها الله في قلب رسوله، وتُـثني
على أخلاقه السامية وقيادته الحكيمة، فعلى الرغم من عدم اتفاق أصحابه معه
في بعض المواقف، إلا أنه وَسِعَهم بخُلُقه الكريم، وقلبه الرحيم، ولم
يخاطبهم بالقسوة والشدّة بل باللين والرحمة، ولذلك اجتمعت القلوب حول
دعوته، وتوحّدت تحت قيادته.
فليس من العسير إيراد المعارف ولا بذل
النصيحة، ولكن العسير تخيّر أسلوب العرض لضمان النتائج، فكم من نفوسٍ أعرضت
عن كلمة الحق، ولم يكن إعراضها ناشئاً عن طعنٍ في صحتها أو شكٍ في وضوحها؛
بل إنّ السبب الذي أدّى إلى نفورها، هو الأسلوب الذي غلب عليه الجمود
والفظاظة، ونأى عن الرفق واللين، فنفرت منه القلوب، وأعرضت عنه.
فالمطلوب من الداعية أنْ يكون رحيماً بعباد الله، لأنّ التراحم بين الناس
يشدّ بعضهم إلى بعض، ويَخلق بينهم جوّاً من الألفة والترابط، ويزرع في
أعماقهم غيرة على المصلحة العامة، مما يجعلهم أهلاً للمشورة وإبداء الرأي
في سياسة الأمة بهدف الوصول إلى الحل السديد.
ومن هنا جاءت
التوجيهات القرآنية إلى أنبياء الله في غاية الوضوح، بضرورة التأدب في
الخطاب مع الناس. قال تعالى مخاطباً نبيه الكريم: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ
رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ .
فالموعظة تكون حسَنَةً ما دام
صاحبها ملتزماً أدب الكلام، متجنباً ما يُؤذي من الألفاظ النابية،
والعبارات السيئة. مع الحفاظ التام على الحقيقة، والبعد عن الرياء
والمداهنة. والحقيقة واحدة، بَيْدَ أنها تقع على لسان من يسيء التعبير عنها
فينفّر الناس منها، أو تقع على لسان واعظ حسن الموعظة، فيجمع القلوب حولها
. وفي ذلك يقول الشاعر:
في زُخرف القولِ تزييـنٌ لباطلـهِ
والحقُّ قد يَعتريه سـوءُ تعبيرِ
تقولُ هذا مجاجُ النحلِ تَمدحُـهُ
وإنْ ذَممتَ تقلْ قيءُ الزنابيـرِ
مدْحاً وذمَّاً وما جاوَزْتَ وصفَهُما
حُسنُ البيانِ يُري الظلماءَ كالنورِ
والحقيقة أن القرآن الكريم أرشدنا إلى حُسن الموعظة من خلال الدعوة إلى
استخدام القول اللين، وهو القول المتسم بالرفق، الذي يتجنب فيه صاحبه
الغلظة والفظاظة، وقسوة العبارة، ولا سيَّما في مواجهة عِلية القوم وذوي
المكانة فيهم، فلا يحقرهم، ولا يُسفّه من شأنهم، وبهذا الأسلوب يمتلك زمام
قلوبهم، ويضع فيها ما يريد من آراء وأفكار .
أحْسِنْ إلى الناسِ تستعبدْ قلوبهم
فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
وإنْ أساءَ مُسيءٌ فليكن لكَ في
عُروضِ زَلَّتِهِ صفْحٌ وغُفرانُ
وعلى الرغم من عدم استجابة المشركين للنبي عليه السلام، وعلى الرغم من
المشقَّة التي لحقت بالنبي الكريم، حتى أنه توجه إلى الله بقوله: ﴿يَا
رَبِّ إِنَّ هَؤُلاء قَوْمٌ لا يُؤْمِنُون﴾ . فإن الله يدعو نبيه إلى أنْ
لا يملَّ أو يتعب وأن لا يحيد عن الالتزام بأدب الخطاب مهما كان من الطرف
الآخر. قال تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ﴾ . فالله يدعو نبيه إلى الرفق بهم، ومقابلة جهلهم بالحلم،
وسفاهتهم بالمغفرة والصفح. وأنهم كلما قالوا فحشاً وهجراً، قال لهم سلاماً
ومغفرة، كما يقول سبحانه في وصف عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ . وكما يقول جلّ شأنه لنبيه الكريم: ﴿خُذِ
الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، .
وقد أشار القرآن الكريم إلى ما أثمره القول اللين من نجاح دعوة النبي محمد
صلى الله عليه وسلم وتأثيرها في الناس. قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ
مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ . فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن
فظَّاً؛ أي سيئ الخُلُق خشن الكلام، ولم يكن غليظ القلب؛ أي قاسيه وشديده .
بل كان صلى الله عليه وسلم رفيقاً داعياً إلى الرفق، فقال: »مَنْ يُحرم
الرِّفقَ يُحرم الخير« .
وبهذا بَعث اللهُ موسى وهارون -عليهما
السلام- إلى فرعون. قال تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا
تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا
لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ .
وموسى
–عليه السلام- هو صَفيُّ الله من خلقه، وفرعون هو من هو في الطغيان
والجبروت؛ فهو القائل: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ ، والقائل: ﴿مَا
عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ . ومع ذلك يأمر الله موسى وأخاه أن
يقولا له (قولاً ليناً). وبين الله لنا في النص علّة ذلك، وهي ﴿لَّعَلَّهُ
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. فإن القول اللين والكلمة الطيبة مظنة التأثير
على السامع حتى يستجيب فيتذكر قلبه ويخشى الله.
ذُكرَ في هذا
السياق أنَّ أحد الوعاظ وعظ المأمون فأغلظ عليه وعنفه، فقال له: يا رجل
ارفق، فقد بعث الله من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌّ مني، فأمره بالرفق،
بقوله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ
يَخْشَى﴾ .
وفي توجيه موسى عليه السلام لمخاطبة فرعون بالقول
اللين، حثٌّ على الأخذ بالأسلوب الحسن في الدعوة، وتنبيهٌ على أنَّ الداعية
ينبغي أن يمتلئ صدره بالأمل، فيطرد فلول اليأس من نفسه. وبين الأمل في
استجابة المدعو، والأسلوب المتَّبع في الدعوة ارتباط وثيق، فإنَّ الداعية
عندما ييأس من استجابة شخص قد يشتد ويقسو عليه، أما إذا كان يتراءى له بريق
من الأمل، فإن هذا يدفعه إلى التلطف في الكلام والدعوة .
وبالنظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، نجد أنه ضرب أروع الأمثلة في حُسن الخطاب ولين الكلام، ومن ذلك:
* أنه صلى الله عليه وسلم كان بالموسم بمنى، يعرض نفسه على القبائل، فجاء
إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه،
حتى إنه ليقول لهم: »يا بني عبد الله، إنَّ الله عز وجل قد أَحْسَنَ اسمَ
أبيكم« ، يريد أنْ يتلطف لهم بالخطاب.
* ومن مواقفه صلى الله عليه وسلم
التي تدلّ على رفقه، ما روته عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل رهط من
اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السَّام عليكم، قالت
عائشة: ففهمْـتُها، فقلت: وعليكم السَّام واللعنة. قالت: فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: »مهلاً يا عائشة، إنَّ الله يحبُّ الرِّفقَ في الأمرِ
كلِّه«. فقلت: يا رسول، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: »قد قلتُ: وعليكم« .
* ومن لينه ورفقه أيضاً، موقفه من الأعرابي
الذي بال في المسجد، فقام الصحابة إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: »لا تُزْرِمُوه« ، ثم دعا بدلوٍ من ماء، فصُبَّ عليه .
فقد
كان صلى الله عليه وسلم يُدرك أن الكلمة اللينة العذبة، تسري في أعماق
النفوس، كما تسري جرعة الماء البارد في أوصال الجسد الظامئ، وأنها تتلطف
بالنفوس حتى تأسرها أسراً رفيقاً، فتأخذ بزمامها، وتجذبها إليها، وهي راضية
مطمئنة.
ولكن مما تجدر الإشارة إليه هنا، أنه قد يضطر الإنسان في
بعض الأحيان إلى التعامل بشدَّة، واتخاذ القرار الأكثر حزماً من أجل
مصلحةٍ يقدّرها، ولا يكون ذلك متنافياً مع الأدب والرحمة. يقول الشاعر:
فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازماً
فليقسُ أحياناً على مَنْ يرحَمِ
وفي ذلك يقول الرازي: "اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يُفضِ إلى إهمال حق
من حقوق الله، فأما إذا أدى إلى ذلك، لم يجزْ. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ،
وقال سبحانه للمؤمنين في إقامة حدّ الزنا: ﴿وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا
رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ " .
· · · منذ 20 ساعة بالقرب من Cairo, Al Qahirah- أشخاص (2) معجبون بهذا.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق